أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

279

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

يوم يأتيهم العذاب . فلا حاجة إلى ذلك ، ولا جائز أن يكون ظرفا له ، لأن ذلك اليوم لا إنذار فيه سواء قيل : إنه يوم القيامة ، أو يوم إهلاكهم أو يوم تلقاهم الملائكة . قوله : نُجِبْ دَعْوَتَكَ جواب الأمر . قوله : أَ وَلَمْ تَكُونُوا قال الزمخشري : على إرادة القول ، وفيه وجهان : أن يقولوا ذلك بطرا وأشرا ، وأن يقولوه بلسان الحال حيث بنوا شديدا وأملوا بعيدا . و « ما لَكُمْ » جواب القسم وإنما جاء بلفظ الخطاب ، قوله : أَقْسَمْتُمْ ولو جاء بلفظ المقسمين لقيل : مالنا . وقدّر الشيخ « 1 » ذلك القول من قول اللّه تعالى أو الملائكة ، أي : فيقال لهم أو لم تكونوا » . وهو عندي أظهر من الأول ، أعني : جريان القول من غيرهم لا منهم . قوله : وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ . أصل السّكون التعدي ب « فِي » كما في هذه الآية ، وقد يتعدى بنفسه . قال الزمخشري : « السّكنى من السّكون الّذي هو الّلبث ، والأصل تعديه ب « فِي » كقولك : قرّ في الدار ، وأقام ، وغنى فيها » ولكنه لما نقل إلى سكون خاص تصرف فيه فقيل ، سكن الدار كما قيل : تبوأها وأوطنها . ويجوز أن يكون من السّكون ، أي : قروا فيها واطمأنوا » . قوله : وَتَبَيَّنَ فاعله مضمر لدلالة الكلام عليه وخبرهم هلاكهم . و « كَيْفَ » نصب ب « فَعَلْنا » وجملة الاستفهام ليست معمولة ل « تَبَيَّنَ » ، لأنه من الأفعال التي لا تعلق ، ولا جائز أن تكون « كَيْفَ » فاعلا ، لأنها إما شرطية أو استفهامية ، وكلاهما لا يعمل فيه ما تقدمه . والفاعل لا يتقدم عندنا . وقال بعض الكوفيين : إنّ جملة « كَيْفَ فَعَلْنا » هو الفاعل ، وهم يجيزون أن تكون الجملة فاعلا ، وقد تقدم هذا قريبا في قوله تعالى : ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ . والعامة على « تَبَيَّنَ » فعلا ماضيا . وقرأ عمر بن الخطاب ، والسّلمي في روايته عنه « ونبيّن » بضم النون الأولى والثانية مضارع « بيّن » وهو خبر مبتدأ مضمر ، والجملة حال ، أي : ونحن نبين . وقرأ السّلمي فيما نقله المهدوي كذلك ، إلّا أنه سكن النون للجزم ، نسقا على « تَكُونُوا » ، فيكون داخلا في حيز التقدير » . قوله : . . . وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ . . . . يجوز أن يكون هذا المصدر مضافا لفاعله كالأول ، بمعنى الذي مكروه جزاؤه عند اللّه تعالى ، أو للمفعول بمعنى أن عند اللّه مكرهم الذي يمكرهم به ، أي : يعذبهم ، قالهما الزمخشري . قال الشيخ « 2 » : وهذا لا يصح إلّا إن كان « مكر » يتعدى بنفسه ، كما قال هو إذ قدر يمكرهم به . والمحفوظ أن « مكر » لا يتعدى بنفسه ، قال تعالى : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا « 3 » ، وتقول : « زيد ممكور به » ولا يحفظ : « زيد ممكور بسبب كذا » . قوله : لِتَزُولَ قرأ العامة بكسر اللام والكسائي بفتحها . فأما القراءة الأولى ففيها ثلاثة أوجه : أحدها : أنها نافية واللام لام الجحود ، لأنها بعد كون منفي وفي « كانَ » حينئذ قولان : أحدهما : أنها التامة . والمعنى : تحقير مكرهم أنه ما كان لتزول منه الشرائع التي هي كالجبال في ثبوتها

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 436 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 437 ) . ( 3 ) سورة الأنفال آية ، ( 30 ) .